الشنقيطي
103
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
وقوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] الآية . فكل هذا الكفر بشرك الطاعة في معصية اللّه تعالى ، ولما أوحى الشيطان إلى كفار مكة أن يسألوا النّبي صلى اللّه عليه وسلم عن الشاة تصبح ميتة من قتلها وأنه إذا قال صلى اللّه عليه وسلم : اللّه قتلها أن يقولوا : ما قتلتموه بأيديكم حلال وما قتله اللّه حرام فأنتم إذا أحسن من اللّه . أنزل اللّه في ذلك قوله تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 121 ] . فأقسم تعالى في هذه الآية على أن من أطاع الشيطان في معصية اللّه أنه مشرك باللّه ، ولما سأل عدي بن حاتم النّبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً [ التوبة : 31 ] ، كيف اتخذوهم أربابا ؟ قال النّبي صلى اللّه عليه وسلم « ألم يحلوا لهم ما حرّم اللّه ويحرّموا عليهم ما أحل اللّه فاتبعوهم ؟ قال بلى . قال : بذلك اتخذوهم أربابا » « 1 » فبان أن أهل الكتاب مشركون من هذا الوجه الشرك الأكبر ، وإن كانوا كفار مكة في صريح عبادة الأوثان . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ 41 ] الآية . هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الخروج للجهاد في سبيل اللّه على كل حال ، وقد جاءت آيات أخر تعدل على خلاف ذلك . كقوله : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [ التوبة : 91 ] الآية . وقوله تعالى : * وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ التوبة : 122 ] . والجواب : أن آية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا منسوخة بآيات العذر المذكورة . وهذا الموضع من أمثلة ما نسخ فيه الناسخ لأن قوله انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا . . ناسخ لآيات الإعراض عن المشركين وهو منسوخ بآيات العذر ، كما ذكرنا آنفا . والعلم عند اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .